صديق الحسيني القنوجي البخاري
135
فتح البيان في مقاصد القرآن
المتقابلان كقوله تعالى : مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ [ هود : 24 ] ، والثالثة أن يقدم مقابل الأول ويؤخر مقابل الآخر ، كقوله تعالى : وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ [ فاطر : 19 ، 20 ] وكل ذلك تفنن في البلاغة ، وقدم الأعمى في نفي التساوي لمجيئه بعد صفة الذم في قوله : وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ . قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ بالتحتية على الغيبة لأن قبلها وبعدها على الغيبة لا على الخطاب ، واختارها أبو عبيد وأبو حاتم ، وبالفوقية على الخطاب بطريقة الالتفاف وفائدته في مقام التوبيخ هي إظهار العنف الشديد ، والإنكار البليغ أفاده الكرخي . [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 59 إلى 61 ] إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ( 59 ) وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ ( 60 ) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ( 61 ) إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها أي لا شك في مجيئها وحصولها وقيامها لوضوح شواهدها ، وإجماع الرسل على الوعد بوقوعها ، ولأنه لا بد من جزاء لئلا يكون خلق الخلق للفناء خاصة وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ بتلك ولا يصدقونه لقصور أفهامهم ، وضعف عقولهم ، عن إدراك الحجة ، والمراد بأكثر الناس الكفار الذين ينكرون البعث ، ثم لما بين سبحانه أن قيام الساعة حق وليس بمرتاب فيها . ولا شبهة في مجيئها ، أرشد عباده إلى ما هو الوسيلة إلى السعادة في دار الخلود فأمر رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أن يحكي عنه ما أمره بإبلاغه وهو : وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ قال أكثر المفسرين : المعنى وحدوني واعبدوني أتقبل عبادتكم ، وأغفر لكم ، وأجبكم وأثبكم . وقيل : هذا الوعد بالإجابة مقيد بالمشيئة ، أي استجب لكم إن شئت ، كقوله : فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ [ الأنعام : 41 ] وقيل : المراد بالدعاء السؤال بجلب النفع ودفع الضر ، قيل : الأول أولى لأن الدعاء في أكثر استعمالات الكتاب العزيز هو العبادة . قلت : بل الثاني أولى ، لأن معنى الدعاء حقيقة وشرعا هو الطلب ، فإن استعمل في غير ذلك فهو مجاز ، على أن الدعاء في نفسه باعتبار معناه الحقيقي هو عبادة ، بل مخ العبادة « 1 » ، كما ورد بذلك الحديث الصحيح ، فاللّه سبحانه قد أمر عباده بدعائه ، ووعدهم بالإجابة ، ووعده الحق ، وما يبدل القول لديه ، ولا يخلف الميعاد .
--> ( 1 ) لفظ الحديث : « الدعاء مخ العبادة » أخرجه الترمذي في الدعاء باب 1 .